ابن الجوزي

571

كتاب ذم الهوى

ما بال ميّة لا تأتي كعادتها * أهاجها طرب أم صدّها شغل لكنّ قلبي لا يلهيه غيركم * حتى الممات وما لي غيركم أمل لا تعلمين الذي بي من فراقكم * لما اعتللت ولا طابت لك العلل روحي فداءك قد هيجت لي سقما * تكاد من حرّه الأعضاء تنفصل لو أن عادية مني على جبل * لزال وانهدّ عن أركانه الجبل ثم قال : يا أخا بني عذرة مكانك حتى أعود إليك ، فما أتوهم أن أمر ابنة عمي صحيح . ثم مضى فما لبث أن أقبل وعلى يده شيء محمول ، وقد علا شهيقه ونحيبه فقال : يا أخا بني عذرة هذه ابنة عمي أرادت أن تأتيني فاعترضها الأسد فأكلها ! . ثم وضعها عن يده وقال : على رسلك حتى أعود إليك . ومضى فأبطأ حتى يئست من رجوعه ، ثم أقبل ورأس الأسد على يده ، فجعل ينكت على أسنان الأسد ويقول : ألا أيها الليث المخلّ بنفسه * هبلت لقد جرّت يداك لنا حزنا وغادرتني فردا وقد كنت آلفا * وصيّرت بطن الأرض ثمّ لنا سحنا أقول لدهر خانني بفراقه * معاذ إلهي أن أكون له خدنا ثم قال : يا أخا بني عذرة ، إنك ستراني بين يديك ميتا ، فإذا متّ فأعمد إليّ وابنة عمي وأدرجنا في كفن واحد ، واحفر لنا جدثا واحدا فادفنّا فيه ، واكتب على قبري هذين البيتين : كنا على ظهرها والعيش في مهل * والشمل يجمعنا والدار والوطن ففرّق الدهر والتصريف ألفتنا * فصار يجمعنا في بطنها الكفن وردّ الغنم على صاحبها ، وأعلمه بقصتنا .